الأقسام الرئيسية

سنوات الخداع (23)

. . ليست هناك تعليقات:

October 8th, 2012 10:31 am


 
فى صيف 2004 كانت مدتى الثانية كمدير عام للوكالة الدولية للطاقة الذرية تقترب من نهايتها، وكنت أنتوى عدم الترشح لمدة ثالثة على الرغم من إصرار معظم الدول الأعضاء على أن أستمر فى مهام منصبى لأن ضغوط العمل مجهدة للغاية، ولأن أسرتى كانت تطالبنى بأن لا أستمر فى هذا المنصب الشاق ولكن التدخل الأمريكى غيّر هذا التوجه.

لقد ألمح لى بعضهم أن الولايات المتحدة الأمريكية ستدعمنى إذا ما قررت الترشح لمدة ثالثة، وبينما كنت أمضى إجازة الصيف فى منزلى على شاطئ البحر بمصر تلقيت اتصالًا يفيد بأن كولين باول سيتصل بى ليخبرنى بهذا الأمر بنفسه، ولم أكن مندهشًا من هذا الموقف الأمريكى، لأنه خلال الشهور الماضية كانت هناك سلسلة من الاجتماعات الإيجابية مع عدد من المسؤولين الأمريكيين بما فى ذلك بوش نفسه.

ولكن باول لم يتصل، ولدى عودتى لڤيينا علمت من نائبى، دافيد واللر، أن الموقف الأمريكى قد تغيّر. وأخبرنى دافيد أن ذلك حدث بناء على حملة شنها جون بولتون ضدى. وكان بولتون يستند فى موقفه هذا إلى أن أى رئيس لأى منظمة من منظمات الأمم المتحدة لا ينبغى أن يحتفظ بمنصبه لأكثر من مدتين، على الرغم من علمى أن هذه القاعدة كثيرًا ما لا تُطبّق. ولقد بعث لى بولتون برسالة نقلها إلىّ دافيد، مفادها أننى إذا قبلت بعدم الترشح لمدة ثالثة فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستُصدر بيانًا تُعرب فيه عن تقديرها للعمل الذى قمت به خلال الأعوام الثمانية التى ترأست فيها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ولقد أثار هذا الأمر غضبى بشدة، لأن بولتون كان يمثل كل شىء لا أتفق معه، خصوصا ما يتعلق بتقليله من أهمية الدبلوماسية المتعددة الأطراف على الساحة الدولية. ومما زاد من غضبى أن بولتون طالما سعى خلال الأعوام الماضية لتعويق عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية بطرق عديدة، ليس أقلها عرقلة الجهود التى تُبذل لحل قضايا الانتشار النووى سلميًّا. كان يسعى لتقويض كل ما كنت أدافع عنه.

ولقد أثار حنقى أن يتصور بولتون أنه سيقرر عنى إذا ما كنت أترشح لمدة ثالثة أم لا، وكانت المفارقة أن الولايات المتحدة الأمريكية التى كانت قد دعّمت ترشحى لمنصب مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تريد الآن إقصائى من هذا المنصب.

وفى ذلك المساء جلست مع زوجتى عايدة، وتشاورنا قليلًا فى الأمر، ثم قررنا أننى سأترشح لمدة ثالثة، فإذا ما كان لى أن أفوز، فإن ذلك سيكون بمثابة رسالة واضحة حول الدعم الدولى للدبلوماسية متعددة الأطراف، وسيمثل لى ذلك أيضًا تفويضًا واضحًا للسعى نحو حل تفاوضى فى إيران وغيرها من المناطق المضطربة، وإذا لم أفز فإن ذلك سيكون على كل حال دليلًا على أننى وقفت فى وجه الضغوط المتوالية التى كانت أمريكا تمارسها. وفى صباح اليوم التالى كتبت رسالة لرئيس مجلس المحافظين معلنًا ترشحى لفترة ثالثة.
بدأت العاصفة مباشرة بمجرد تقدمى بهذا الخطاب. ففى سبتمبر 2004 علمت أن الأمريكيين أرادوا أن يعيدوا صياغة مشروع قرار كانت قد تمت بالفعل صياغته حول إيران، ليرفعوا منه جملة تقليدية تعبّر عن التقدير «لحياد ومهنية» عمل الوكالة فى هذا الملف. وعلى الرغم من أن مثل هذا الأمر قد يبدو عاديًّا بالنسبة إلى البعض، فإن مَن يعمل فى الدوائر الدبلوماسية يعلم بالضرورة أن مثل هذا الأمر يمثل إهانة. ولقد وصف السفير البريطانى فى ڤيينا بيتر جانكينر، هذا السلوك من جانب الولايات المتحدة بالتصرف الضحل غير الجدير بالاحترام.

وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية البحث عن مرشحين يمكن أن يتنافسوا معى على المنصب، وتم التشاور مع البرازيل لترشيح أحد أبرز سفرائها العاملين فى مجال نزع الأسلحة سيرجيو دوكويروز دوارتى، كما تم التشاور مع الأرجنتين لترشيح روبرتو جراسيا مورايتان، وهو أحد مساعدى وزير خارجية الأرجنتين. كما اتصلوا باليابان لدراسة فكرة ترشيح سفير سابق لها فى ڤيينا وهو شينزو آبه. وأيضا أجرت الولايات المتحدة الأمريكية اتصالًا بأستراليا وروسيا للمطالبة بدعم ترشيح آلكسندر داونر وزير الخارجية الأسترالى لهذا المنصب.

وعندما لم تسفر أىُّ من هذه المقترحات عن ترشيح حقيقى، أجرت الولايات المتحدة اتصالًا بالأوروبيين للحصول على موافقتهم على مطالبة الوكالة بتمديد تاريخ تقديم الترشيحات لمنصب المدير العام، وهو الأمر الذى رفضه الأوروبيون.

وعندئذ لجأ الأمريكيون إلى أساليب مختلفة لإفشال حصولى على مدة ثالثة، ففى نوفمبر 2004، فى نفس الوقت الذى كانت تُجرى فيه الانتخابات الرئاسية فى الولايات المتحدة تقريبًا، تسربت أنباء عن اختفاء بعض المتفجرات من موقع القعقاعة فى العراق. وتبعت ذلك سلسلة من المعلومات غير الصحيحة، ومنها أحاديث مختلفة حول برنامج نووى سرى فى مصر اتصالًا بالبرنامج الليبى واتهامى بأننى أحاول التستر على هذا النشاط، ثم اتهامى أنا وهانز بليكس، بأن لنا حسابات سرية فى أحد بنوك سويسرا بها أموال حصلنا عليها من العراق خلال مدة عملنا هناك، ثم الحديث عن تحويل الإيرانيين مبالغ مالية لحساب بنكى باسم زوجتى فى سويسرا، قيل إن المبلغ كان 600 ألف دولار إلى جانب أحاديث حول تقديم الإيرانيين هدايا لى من السجاد الإيرانى، تبلغ قيمة كل واحدة منها 50 ألف دولار.

وفى الوقت نفسه، نشرت صحيفة «الواشنطن بوست» تحقيقًا صحفيًّا أشار إلى أن اتصالاتى الهاتفية وأخرى لعاملين فى الوكالة يتم تسجيلها للحصول على أى معلومات يمكن أن تستخدم ضدى، ولم يكن فى ذلك مفاجأة كبيرة إلىّ، لأننا كنا قد علمنا من قبل عن تجسس على رسائل نصية ومكالمات للعاملين فى الوكالة. لكن الأمر أصبح مادة صحفية عن مصدر موثوق.

وأخبرنى أحدهم بأن من قام بتسريب موضوع التنصت على مكالماتى الهاتفية كان من العاملين فى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ولأسباب تتعلق بعدم الرضا عن بعض تصرفات أشخاص بعينهم فى الخارجية الأمريكية. ولم أندهش لذلك كثيرًا لأنه خلال الفترة من منتصف 2004 وحتى منتصف 2005 تلقت أمانة بصفة سرية صورًا من العديد من المذكرات وغيرها من المعلومات الخاصة بمحاولة إعاقة إعادة انتخابى من موظفين فى الخارجية الأمريكية الذين لم يكونوا راضين عن سلوك بعض الشخصيات الرفيعة فى الخارجية الأمريكية.

وفى النهاية كان الأمريكيون هم وحدهم مَن يعارض ترشيحى، بل إن الدول التى عادة ما تصوت مع الولايات المتحدة الأمريكية وتتبع مواقفها وهى أستراليا وكندا واليابان وبريطانيا، لم تتدخل كثيرًا فى الجدل الدائر، وبعثت إلىّ برسائل مفادها أنها تساندنى، ولكنها تفضل عدم إعلان هذه المساندة حتى لا يكون فى ذلك إحراج للولايات المتحدة الأمريكية أو جعلها تبدو فى موقف منعزل دبلوماسيًّا.

وقبل أسبوع من اجتماع مجلس محافظى الوكالة الدولية للطاقة الذرية تمت دعوتى لواشنطن من قِبل كوندوليزا رايس التى أصبحت وزيرة للخارجية. وفى اللقاء اقتصر الحديث مع رايس ومع ستيفان هادلى، مستشار الأمن القومى، على ملف إيران وعلى الإصرار الأمريكى لمنع إيران من الحصول على الدورة الكاملة للوقود النووى.
وعندما ذكرت أنه لا بد من أن تحصل إيران على مخرج كريم، أجاب هادلى أنه لا يجب السماح لإيران حتى بتشغيل جهاز طرد واحد لتخصيب اليورانيوم ومنذ ذلك الحين أصبح هذا الموقف حاسمًا فى الحديث الأمريكى عن الملف الإيرانى.

وعندما شارف اللقاء على نهايته، أثارت رايس مسألة إعادة ترشيحى، حيث أخبرتنى بأن موقف الولايات المتحدة الأمريكية إزائى لا يتعلق بشخصى وإنما يتعلق بموقف واشنطن فى عدم استمرار أى شخص كرئيس لأى من منظمات الأمم المتحدة لأكثر من مدتين.
لقد كنت أعلم أن هذا غير حقيقى، وكانت رايس تعلم أننى أعلم ذلك. وربما كانت رايس تحاول الخروج من بعض المطبات الدبلوماسية التى تورط فيها جون بولتون، وكنت قد سمعت أنها رفضت بقاء بولتون فى الخارجية الأمريكية لدى توليها منصبها. وقد قام بوش بتعيينه مندوبًا دائمًا فى الأمم المتحدة، الأمر الذى يُعد إما أسوأ مَثَل فى التاريخ الدبلوماسى على تعيين شخص فى المكان غير المناسب، وإما أفضل تعبير عن نهج الولايات المتحدة تجاه الدبلوماسية متعددة الأطراف فى ذلك الوقت.

وفى كل الأحوال، فلم أزد أنا ولم تزد رايس فى الحديث فى هذا الموضوع، وفهمت وقتها أن الولايات المتحدة الأمريكية بصدد تغيير موقفها إزاء ترشيحى، فما كان منى إلا أن قلت: «لا داعى لأن نتحدث كثيرا عن أحداث وقعت وانتهت»، وبالفعل فى 13 يونيو 2005 تمت إعادة انتخابى لمدة ثالثة بإجماع الأصوات. وبعد كل ما تعرّضت له الوكالة من حملات للإساءة إليها وتقليص عملها، بدا لى أننا بصدد الحصول على تعويض وتقدير مهم. ففى صباح السابع من أكتوبر 2005 كنت عائدًا لتوى من رحلة شاقة. بقيت فى منزلى مرتديًا ثياب النوم أتابع أنباء تتناثر هنا وهناك حول ترشيح الوكالة ومديرها العام، للسنة الثانية على التوالى، لجائزة نوبل للسلام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المدونة غير مسئولة عن أي تعليق يتم نشره على الموضوعات

اخر الاخبار - الأرشيف

المشاركات الشائعة

التسميات

full

footer