الأقسام الرئيسية

الذين غيروا كل شىء ومع ذلك لا نثق بهم

. . ليست هناك تعليقات:

بقلم: وائل جمال

wael gamal

15 مارس 2011 09:39:29 ص بتوقيت القاهرة

«الشعب المصرى غير ناضج بعد للديمقراطية». يبدو أن هذا التصور المثير للجدل لرئيس الوزراء السابق أحمد نظيف فى 2005، والذى عاد على لسان نائب الرئيس السابق عمر سليمان خلال ثورة يناير فى حوار مع شبكة إيه بى سى الأمريكية، يمثل فكرة متجذرة بعمق لدى النخبة المصرية.

فى المرتين، أثارت التصريحات الصحفية للمسئولين موجة من الاستنكار، رسمت علاقة متوترة مع الأول وحكومته، وساهمت فى تدهور رهيب لشعبية الثانية وسقوط سريع من الحياة السياسية. لكن ها هى الفكرة تعود لنا بأشكال مختلفة وصور مغايرة، وإن بصور أقل وضوحا وصراحة، ومن نخب سياسية كانت تصنف فى المعارضة للنظام القديم، جنبا إلى جنب مع أخرى كانت مؤيدة له.

ومنذ اللحظات الأولى لثورة يناير، كان هناك من يحاول اختزال الثورة اجتماعيا وطبقيا وسياسيا باختصارها فى «شباب الفيس بوك»، القاهرى غالبا، والذى ينتمى للطبقة الوسطى. وكما تخدم هذه الفكرة أنصار اجهاض الانتفاضة باستبعاد ملايين العمال والفلاحين والموظفين من شرف تحريكها والدفاع عنها، فإنها تقوم على نفس استنتاج سليمان ونظيف: هذه الأغلبية غير واعية وغير متعلمة، وبالتالى كان هذا التحرك «شبابيا حضاريا إلى أن انضمت إليه عناصر جاهلة أو مندسة».

المصالح هنا واضحة. إن انضمام تلك الكتل الواسعة من المصريين، الذين تم تهميشهم من العمل السياسى لعقود سيعمق المطالب الاجتماعية للثورة ويعطيها زخما لم تكن أى من النخبة الحاكمة وصحفيوها ومحللوها يرغب فيه. فهؤلاء ممن خلقوا حركة «كفاية» الجديدة للمطالبة بإيقاف الثورة والتغيير فى كل محطة حيوية مرت بها، كانوا يريدون ثورة على شاكلتهم يمكنهم محاصرتها والتحكم فيها ورسم حدودها.

وبينما لعب هؤلاء من أنصار الوضع القائم، أو القلقين من هزه، على وتر الأمن القومى للبلاد ثم على وتر الأمن والاستقرار كعنصر أساسى فى مواجهة شعبية الثورة. كان الواقع الملموس يكشف أن لجان الأمن الشعبية، التى تأسست بطول وعرض الجمهورية، فى ساعات قليلة، لمواجهة مؤامرة انسحاب الشرطة وما صحبها، هى التى أمنت البلاد والعباد، فى دليل إضافى على النقلة الهائلة فى الوعى الشعبى العام التى ولدتها الثورة.

ولا يقتصر وجود وتمكن فكرة عدم نضج وعى المصريين على نخبة تزكية الوضع القائم. فهى تطل علينا برأسها من بين تصورات نخبة التغيير أيضا. وإلا كيف نفسر القلق البالغ لدى البعض فى اليمين الليبرالى واليسار الثورى من عقد انتخابات برلمانية بعد شهور قليلة؟ يقول هؤلاء إن الانتخابات المبكرة ستأتى إلى البرلمان الجديد بجماعة الإخوان المسلمين (مصنفين إياها كقوة رجعية غير ليبرالية)، أو، ويا للعجب، بفلول الوطنى لتتحكم فى الحكم وتجهض الثورة. والحل لهذا هو إما إبقاء الحكم العسكرى لفترة أطول أو انتخاب رئيس، وهو شخص واحد ربما يكون هو الآخر رجعيا أو صاحب علاقات تاريخية مع نظام مبارك، إذ إنه لو اعتمدنا على هذا التقدير السيئ لوعى الناس فما الذى يضمن حسن الاختيار فى شخص واحد وسوءه فى 400.

يغفل أصحاب هذه النظرة المتشككة تجاه الجماهير أنها هى، وليس أى أحد آخر، التى أطاحت بنظام مبارك فى وقت وقفت فيه الأحزاب والقوى السياسية والمحللون والقادة المرشحون الآن للرئاسة، موقف المشاهد المحبذ فى أفضل الأحوال. هذه الجماهير هى التى أصرت بعد ذلك على إسقاط حكومة شفيق. وهذه الجماهير، التى لا يمكن لأحد ادعاء قيادتها أو التحكم فيها (الإخوان لم يؤيدوا أصلا الدعوة للتظاهر فى 25 يناير وحتى من دعوا إليه فقد ذابوا واختفوا فى فيض الملايين الذين اجتاحوا الشوارع)، هى التى أعطت الأولوية لبند حل مباحث أمن الدولة لمواجهة الثورة المضادة، ونفذته عمليا حين تباطأ الجميع. كيف يمكن إذن أن يقوم الناس وأغلبهم من العمال والفلاحين والموظفين بإنجاز تلك المهمة التى لم يحلم بها أحد فى مواجهة الرصاص وآلة الدعاية الحكومية الهائلة، ولا نثق فى حسن اختيارهم فى صندوق الانتخاب الذى جلبوا له شروط الإشراف القضائى الكامل والتصويت بالرقم القومى وغيرها مما يخلق عملية تصويت لم تشهد البلاد لها مثيلا؟ لماذا كل هذا التشكك؟


إن وعى ما قبل التحركات الاجتماعية الكبرى يكون هو وعى النخب والطبقات الحاكمة. تسيطر الأفكار والتصورات التى تخدم هذه النخب على الأغلبية الكاسحة من الناس، عبر تفسيرات الدين والتعليم والإعلام وغيرها. ويظل أصحاب وجهات النظر المناوئة أقلية حتى بين من تتناقض مصالحهم مع مصالح الحكم. وحين تأتى الثورات، وهى تحرك سياسى على أعلى مستوى لشريحة هائلة من الناس، أغلبيتها بالضرورة من فقراء المنتجين، تتكسر أفكار الحكام المسيطرة على الأرض وفى ميدان المواجهة خالقة وضعا جديدا على الأرض. تخلق الثورة الناجحة توازنا سياسيا جديدا فى المجتمع، الغلبة فيه للجموع، ومن ثم تخلق وعيا جديدا مسيطرا. صحيح أن الثورة لا تنهى كل الأفكار الرجعية ولا حتى التصورات التى تمثل مصالح النخب القديمة فى ضربة واحدة، لكنها تخلق أرضية لمحاصرته على أساس جديد حر مبنى على توازن قوى يميل بقوة لصالح الأغلبية. والأهم من هذا أن استمرار التحرك الجماهيري، على جبهة استكمال مهام الثورة على صعيد مطالب العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل وتغيير نمط وأهداف الإنتاج الاقتصادى لصالح التنمية، هو المصنع الحقيقى لاكتساب الجموع وعيهم الذاتى بمصالحهم. وعى أثبت حتى هذه اللحظة أنه إنسانى راقٍ، معادٍ للطائفية وللتمييز ضد المرأة.

يهز هذا الوضع الجديد حقا المحللين الاستراتيجيين والمفكرين الأكاديميين والقادة السياسيين، الذين بنوا خبرتهم وسمعتهم وتاريخهم على تحليل تحولات أروقة قصور وسرايات الحكم. لا تمكنهم نظرياتهم القديمة من فهم التوزان الجديد على الأرض وإمكانات تطوره، وهكذا تجدهم يميلون للجان النخبة المستنيرة لتحديد مستقبل الوطن على حساب الفعل الجماهيرى المباشر فى الإضرابات العمالية والاحتجاجات الاجتماعية. فيضع هؤلاء أنفسهم، دون أن يريدوا ذلك أحيانا، فى معسكر من ترفض مصالحهم هذا الوضع الجديد.

إن الوعى الشعبى الجديد يتميز بسمة تعطيه الغلبة على كل وعى يجىء عبر التثقيف أو الدعاية السياسية أو وصاية القادة والمحللين. هو وعى تم اكتسابه فى المعركة بالخبرة الفردية الذاتية لكل عامل أو طالب أو موظف شارك فى المظاهرات وفى المواجهات واعتصم فى التحرير ودافع عنه ضد البلطجية أو شارك فى حماية مدينته أو قريته من بلطجية الشرطة. وفى كل خطوة كان على كل فرد من هؤلاء أن يزن كل الأفكار السياسية التى تطرح عليه بميزان مصالحه وأحلامه ثم يتخذ قرارا وينفذه وهو يرى التضحية التى ربما عليه أن يدفعها (بحياته فى حالات ليست قليلة).

هؤلاء هم من قاموا بثورتنا فى النجوع والكفور وفى عواصم المحافظات. فى المصانع والنقل العام وفى التحرير. وهم لا يحتاجون وصاية من أحد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المدونة غير مسئولة عن أي تعليق يتم نشره على الموضوعات

اخر الاخبار - الأرشيف

المشاركات الشائعة

التسميات

full

footer