مقهى القزاز في العاصمة اللبنانية صمد لمدة 90 عاما في وجه حروب وأحداث عاصفة لكن زجاجه انكسر في الاخير امام جبروت رؤوس الاموال. | |||||
| ميدل ايست أونلاين | |||||
بيروت - في العاشر من كانون الثاني/يناير، تقفل "قهوة القزاز"، اقدم مقهى في حي الجميزة التراثي القديم، ابوابها للمرة الاخيرة، وترحل عن 90 عاما من تاريخ بيروت وذكرياتها، بعدما صمدت في وجه الزمن والحرب وسقطت في معركة رؤوس الاموال. وتقول انجيل ابي حيدر، صاحبة المقهى الذي ورثته عن والدها وجدها، ان "تاريخ القهوة (مقهى بالعامية) جزء لا يتجزأ من تاريخ بيروت". وتضيف "كان يقصدها صائب سلام وبيار الجميل وكميل شمعون (من الزعماء اللبنانيين الراحلين). وشهدت ثورة 1958 البيضاء ومحاولة الانقلاب في 1961" على الرئيس السابق فؤاد شهاب. ويقع المقهى عند زاوية مبنى قديم في شارع كان تاريخيا معبرا رومانيا وتختلط فيه اليوم المنازل ذات الحجر الاصفر العتيق بالابنية الحديثة العالية. وقد تم تجميله وتشييد عدد من القصور فيه خلال عهد الانتداب الفرنسي، عندما سكنه حكام فرنسيون وابرزهم الجنرال غورو، حتى اصبح الشارع يعرف باسمه. سنة 1997، اشترى المبنى الذي يقع فيه مقهى الجميزة مالك جديد قرر وقف عقود الاستثمار القديمة. وبعد نزاع قضائي استمر 12 عاما، رضخت انجيل ابي حيدر للامر الواقع، وقررت نقل المقهى الى منطقة انطلياس على بعد حوالى عشرة كيلومترات شمال بيروت. وتقول السيدة الخمسينية التي لا تفارق البسمة شفتيها، "لقد تعبت. لم اعد استطيع ان احارب". وتضيف ان المقهى "لم يقفل يوما واحدا خلال سنوات الحرب الطويلة (1975-1990). وكان والدي يردد باستمرار يتطلب الامر اكثر من حرب لتغيير الروتين في القهوة. الحرب العسكرية لم تغير الروتين، لكن حربا من نوع آخر كسرته هي حرب رؤوس الاموال". وحتى 2001، كان المقهى يتربع وحده في الشارع بواجهاته الزجاجية العريضة، مقدما لزبائنه القهوة العربية والنرجيلة والمازة اللبنانية البسيطة، قبل ان تبدأ الملاهي الليلية والمطاعم التي تقدم خصوصا الاطباق الغربية بالانتشار من حوله كالفطر. وتحول الشارع بسرعة الى مكان السهر الاول في لبنان، في موازاة قفزة جنونية في اسعار العقارات المرتفعة اصلا في منطقة مصنفة تراثية وعلى تماس مع وسط العاصمة وتسكنها عائلات ميسورة. وتقول انجيل ابي حيدر "تكبدت مبالغ طائلة خلال المحاكمات. المقهى لم يجمع لي ثروة، ولا اقدر على الاستثمار بالمبالغ التي تدفع حاليا في المنطقة". وتشير الى ان المطاعم والملاهي التي فتحت حديثا تخصص مبالغ تصل احيانا الى مليون دولار كقيمة استثمار وتجهيز. وتشبه "قهوة الجميزة" المطاعم الفرنسية التقليدية الصغيرة من حيث التقسيم مع بار طويل قبالة باب المدخل، وطاولات مستطيلة ضيقة او مستديرة صغيرة. وتحيط كراسي القش والخيزران اللبنانية التقليدية بالطاولات الرخامية، فيما بلاط المقهى الملون "مستقدم من ايطاليا". ويعود اسم "قهوة القزاز (زجاج بالعامية)"، اساسا الى مقهى تاريخي معروف كان يقع في ساحة البرج في وسط العاصمة ودمر خلال الحرب. وحصلت انجيل ابي حيدر على الاسم بعد الحرب وسجلت مقهاها باسم "مقهى الجميزة المعروف بقهوة القزاز". وتواصل ابي حيدر سرد ذكرياتها. "عندما كنت طفلة، كنت ادخل خلسة المكان الذي كان يعج بالناس باستمرار، وباصوات طاولات الزهر (النرد) والنراجيل والزبائن". وتضيف ان الاقبال تراجع خلال الحرب. "كان خط التماس الفاصل بين شطري بيروت قريبا. وترك اهالي الجميزة بمعظمهم الحي... الا ان والدي ظل يفتح يوميا. فعندما تسقط القنابل، يهرع الزبائن القليلون الى المطبخ للاختباء، وعندما يتوقف القصف يعودون الى طاولاتهم". على جدران الابنية في حي الجميزة، علقت ملصقات كتب عليها بالانكليزية "غود باي كافيه جميزة" (وداعا مقهى الجميزة) مع صورة فنجان قهوة تنزل منه دمعة حمراء ودعوة للمشاركة في المقهى في "آخر فنجان قهوة في الخامس من كانون الثاني/يناير". ويوضح جورجيو غي طراف من جمعية "سيف بيروت هيريتدج" (انقذوا تراث بيروت) التي تنظم اللقاء ان الدعوة عبارة عن "تحية تقدير للمقهى الذي حمل اسم الشارع وتاريخه". ويضيف "لم نعد نستطيع رؤية المقاهي تقفل تباعا ولا احد يفعل شيئا. بعد مودكا وكافيه دو باري في الحمرا (غرب بيروت)"، المقهيين القديمين اللذين كانا يجمعان اهل الفكر والثقافة واللذين اقفلا في السنوات الاخيرة، "اليوم دور قهوة القزاز". ويتخلل اللقاء حفل موسيقي يعود ريعه الى جمعية "سيف بيروت هيريتدج" لتمويل انشطتها. ويعبر طارق علوية (34 عاما) الذي جلس في "قهوة القزاز" يتناول الغداء مع صديق مقيم في المهجر اراد التعرف على مكان سمع به كثيرا، عن اسفه "لتغليب المستثمر اللبناني الربح التجاري على الثقافة التي هي احد اركان الحضارات"، داعيا وزارة الثقافة الى التحرك. ويؤكد طراف ان "المبادرات الخاصة هي المطلوبة في مثل هذه الحالات لان لديها الامكانات وحرية التصرف، لكن اي يد لم تمتد لانقاذ قهوة القزاز ودفع الايجار او شراء المكان وتقديمه الى اصحاب المقهى". ويؤكد صاحب المبنى مسعود رنو انه لا ينوي هدم المكان او تغيير معالمه، ويقول "بدأت بترميمه وطلائه، وسيبقى المقهى على الارجح على حاله"، من دون ان يحدد وجهة استعماله النهائية. ويقول طراف "المقهى جزء من التراث، والتراث ليس دائما حجارة جميلة وعتيقة. الناس تراث والذكريات تراث والاماكن تراث". |
04/01/2011
وداعا قهوة القزاز.. مقاهي بيروت التراثية تغلق تباعا
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
المدونة غير مسئولة عن أي تعليق يتم نشره على الموضوعات