أعلان الهيدر

27‏/12‏/2010

الرئيسية نهاية العصر الأميركي

نهاية العصر الأميركي


الإتحاد الاماراتية

GMT 0:04:00 2010 الإثنين 27 ديسمبر


عبدالله خليفة الشايجي

عقب نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي وتهاوي الشيوعية في عقر دارها توقع العديد من المحللين أن يقود ذلك إلى فجر من الأمن والأمان والاستقرار. ولكن بعد مرور عقدين كما تؤكد دورية "فورين أفيرز" الرصينة، لم يتحقق ذلك. بل على العكس شهد العقد الأخير من القرن العشرين، والأول من القرن الحادي والعشرين، تحذيرات من "صدام الحضارات" وفق مقولة هنتينغتون، ومن أن الحرب القادمة ستكون حرب حضارات وثقافات. وهناك العديد من الحروب التي لا يزال بعضها مستمرّاً، بالإضافة إلى تحديات اقتصادية وسياسية وحتى بيئية تهدد بعدم الاستقرار وفي الوقت نفسه تشكل مخاضاً لنظام عالمي جديد. وكما تؤكد الدورية الأكثر تأثيراً في السياسة الخارجية الأميركية فإن مستقبل النظام العالمي الجديد يتمحور حول ثلاث قضايا: أولا تغير طبيعة توازن القوى. ثانيّاً خطورة وتهديدات قضايا البيئة. وأخيراً تأرجح الدور الأميركي.

وقد شهدت نهاية العقد الأول من القرن الجديد تغيرات مهمة على المسرح الدولي ينبغي على صناع القرار رصد إرهاصاتها وتداعياتها والتعامل معها بجدية، وأول هذه المتغيرات هو تراجع القوة الأميركية، إذ على رغم رفض البعض الاعتراف بالحقيقة، فإن تراجع النفوذ والحضور الأميركي سيصبح نهجاً وواقعاً وإن لم يكن آنيّاً. وهناك اليوم نقاش محتدم حول مستقبل القوة الأميركية. وكما يؤكد صاحب مفهوم "القوة الناعمة" جوزيف ناي فإن مستقبل القوة الأميركية على رغم صرفها نصف الإنفاق العالمي على الدفاع والأمن والتسلح، وإنتاجها ربع الإنتاج العالمي، وامتلاكها لأكثر الثقافات والجامعات والاختراعات تأثيراً في العالم، إلا أنها قوة متراجعة على شتى المستويات بسبب التحولات الاستراتيجية السريعة في نظام عالمي يتراجع فيه الدور والحضور الأميركي تدريجيّاً واستراتيجيّاً.

والمتغير الثاني، كما يؤكد "جوزيف ناي"، هو تغير مفهوم القوة نفسه. فالقوة لم تعد قوة عسكرية وعضلات، بل هي قوة سياسية واقتصادية، وقوة الدولة الأخلاقية ونظامها كمثال، وتحول الدولة إلى قوة إقناع ومثال يُحتذى من قبل الدول والشعوب الأخرى.

والمتغير الثالث، بدء تحول النظام العالمي إلى نظام التعددية القطبية على المستوى الاقتصادي أولاً وليستمر ذلك التحول ليشمل النواحي السياسية والعسكرية. وستنتقل الثروات وبشكل غير مسبوق من منطقة الأطلسي بضفتيه الأوروبية والأميركية إلى منطقة المحيط الهادئ.

والمتغير الرابع، صعود قوى مهمة وقوية في إقليمها، ويجب أن تأخذ حقها كونها دولاً نجحت في أن تكون مؤثرة بسبب قدراتها ومكانتها ودورها في إقليمها وحتى خارجه. ومن تلك الدول ما بات يعرف في العلاقات الدولية بمصطلح BRIC، أو مجموعة الدول التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين. ويضيف البعض إلى ذلك دولاً أخرى مهمة في أقاليمها مثل تركيا وإندونيسيا والمكسيك وجنوب إفريقيا.

والمتغير الخامس، زيادة أدوار وتأثير وخطورة ما يُعرف بـ"الفاعلين من غير الدول" وخاصة في الدول الضعيفة. وتتفاوت أنواع "اللاعبين من غير الدول" من منظمات حكومية وغير حكومية ومنظمات إرهابية وانفصالية تكون أحياناً جزءاً من نسيج الدول، وأحياناً تهدد حتى كيانها ووحدتها ومكانتها. وما يميز تلك الجماعات واللاعبين من غير الدول هو أنهم نصَّبوا أنفسهم نيابة عن دولهم، كما يقول "مايكل كروفورد" و"جايمي ميشيك"، وقد يعملون كوسيط بين الحكومات والشعوب.

والمتغير السادس، ثورة المعلومات الإلكترونية والإعلامية التي تقضم من سيادة الدول وتكشف المستور، حيث أنهت ثورة المعلومات السيادة المطلقة للدولة وقوضت من هيمنة حتى الدول الأوتوقراطية ووضعت حدوداً لممارسات الدول. كما أضعفت ثورة المعلوماتية قدرات الدول على التحكم في العملية السياسية والمعلوماتية في عالم بلا قيود أو رقابة بوجود الفضائيات والإنترنت و"التويتر" و"الفيس بوك". وكان ملفتاً اختيار مجلة "التايم" في الأسبوع الماضي لـ"مارك زيكرمان" مؤسس موقع "فيس بوك" باعتباره "رجل مجلة تايم" لعام 2010 بعد أن تجاوز عدد من لديهم اشتراك في "فيس بوك" 600 مليون شخص. فلو كان ذلك العدد من الأشخاص دولة، لكانت ثالث أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، متقدمة بذلك على أميركا، وتأتي بعد الصين والهند!

والراهن أن ثمة متغيرات مهمة أبرزها تراجع الدور الأميركي وصعود الآخرين، ستشكل متضافرة نظاماً عالميّاً بما يفرض على صناع القرار حول العالم رصدها والتعامل معها كعوامل مؤثرة في شؤونهم الإقليمية وفي علاقاتهم مع الدول، وكذا في مواجهة اللاعبين من غير الدول، وإدراج هذه المتغيرات في صياغة استراتيجيتهم الأمنية وسياساتهم الخارجية خلال العقود القادمة. والأهم من ذلك صياغة صناع القرار لاستراتيجيات تُوظف للاستفادة من كافة تلك المتغيرات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المدونة غير مسئولة عن أي تعليق يتم نشره على الموضوعات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.